السيد كمال الحيدري

92

الإنسان بين الجبر والتفويض

ج . الدافع للإيمان بالنظرية لماذا مال المعتزلة إلى هذه النظرية ؟ وما هو الباعث من وراء إيمانهم بها ؟ في الحقيقة كان الحافز الذي دفع العقل الاعتزالي إلى نسبة صدور الأفعال إلى الإنسان مباشرة وعلى نحو الاستقلال ، يكمن بحرص هذا العقل على أصل العدل الإلهي « 1 » . فقد لاحظ المعتزلة بحقّ أنّ هناك جملة من القبائح تصدر عن الإنسان مثل الكفر والظلم والسيّئات والشرور وغير ذلك ممّا يتنزّه الله عنها ولا تنسجم مع العدل الإلهي . ففي إطار التصوّر الاعتزالي ليس من العدل أن يصدر الظلم من الله سبحانه عبر الإنسان ومن خلال فعله ثمّ يعاقبه الله على ذلك ، بل لابدّ أن تنقطع الصلة تماماً بين الله وبين الفعل الإنساني حتّى يصحّ العقاب ويستقيم العدل ، ومن ثمّ لابدّ أن يكون الفعل صادراً من العبد على نحو الاستقلال التامّ من دون شائبة نسبة إلى الله ، ليكون الإنسان مسؤولًا

--> ( 1 ) رغم أنّ العقيدة الاعتزالية ترجع في بنيتها التأسيسيّة إلى مبادئ خمسة ، هي : التوحيد ، العدل ، والمنزلة بين المنزلتين ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ثمّ الوعد والوعيد ، إلّا أنّ العدل يحتلّ موقعاً مهمّاً في المنظومة الاعتزالية حتّى ليمكن القول إنّ أغلب نظريات المعتزلة تندرج في هذا المبدأ الذي اشتهروا فيه حين لقّبوا بالعدلية أو بأهل العدل والتوحيد . للمزيد عن هذا الأصل وإشعاعاته على مسائل الحرية والاختيار الإنساني والقضاء والقدر ، وما له من معطيات اجتماعية وسياسية ، ينظر : أصل العدل عند المعتزلة ، هاشم إبراهيم يوسف ، دار الفكر العربي ، القاهرة ، 1413 ه - 1993 م .